السيد البجنوردي

190

منتهى الأصول ( طبع جديد )

أن ينتهي إلى علّة تامّة قديمة ؛ لما ذكرنا من بطلان التسلسل وعدم إمكان وجود الشيء بدون وجود علّته التامّة . وكون النفس علّة لتلك الفعلية لا يرفع هذه الشبهة . فإذن في رفع هذه الشبهة لا بدّ وأن يقال إمّا : بأنّها شبهة في مقابلة الوجدان ، كما قال جمع كثير من الأعاظم من أصحابنا الإمامية ؛ لأنّنا بالوجدان نرى الفرق بين حركة اليد المرتعشة وحركتها الإرادية وأنّ الأولى جبرية والثانية اختيارية ، وليس برهان أصدق من الوجدان . وإمّا أن نقول بما قاله الحكماء : من أنّ وجوب الفعل بإيجاب نفس الفاعل لا يخرج الفعل عن كونه اختياريا إذا كان مسبوقا بالإرادة ومبادئها ، وقد ذكرنا كلامهم بالتفصيل . وإمّا أن نقول : بأنّ لزوم وجود الشيء عند وجود علّته التامّة ، وأنّه بدونه لا يوجد إنّما يكون في الفاعل الطبيعي لا الإرادي . وبعبارة أخرى : هذه القواعد التي ذكرتم والتزم الحكماء بها لا تجري في الفاعل المختار ، مثلا الفاعل المختار الحقيقي ؛ وهو اللّه - جلّ جلاله - مع أنّ ذاته تعالى علّة تامّة لوجود المعلول الأوّل من دون مدخلية أيّ شيء ؛ لأنّه في ذلك المقام وذلك الفرض ليس شيء آخر غير ذاته المقدّسة ؛ لأنّ الكلام في المعلول الأوّل مع الواجب حتّى يكون له المدخلية ، ومع ذلك ليس صدور الفعل - أعني المعلول الأوّل - ضروريا ، بل هو تعالى بذاته مختار يمكن عدم صدور المعلول الأوّل منه تعالى ، ويمكن صدوره بعد حين بلا وجود أيّ شيء وحدوث أيّ أمر آخر ، وقد ذهب إلى هذا المسلك جمع من المتكلّمين .